صديق الحسيني القنوجي البخاري
18
فتح البيان في مقاصد القرآن
أعمالا لها صور الخير ، من صلة الرحم ، وإغاثة الملهوف ، وإطعام الطعام ، وأمثالها ولم يمنع من الإثابة عليها إلا الكفر ، الذي هم عليه فمثلت حالهم وأعمالهم ، بحال قوم خالفوا سلطانهم ، واستعصوا عليه ، فقدم إلى ما معهم من المتاع فأفسده ، ولم يترك منه شيئا ، وإلا فلا قدوم ههنا أو هو من الصفات ، كالمجيء والنزول ، فيجب الإيمان به من غير تأويل ، ولا تعطيل ، ولا تكييف ولا تشبيه ، ولا تمثيل ، كما هو مذهب السلف الصلحاء ، وهو الحق . قال الواحدي : معنى قدمنا عمدنا ، وقصدنا ، يقال : قدم فلان إلى أمر كذا إذا قصده ، أو عمده ، وقيل هو قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى والقصد في حق اللّه يرجع لمعنى الإرادة . فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً أي باطلا ، لا ثواب له ، لأنهم لم يعملوا للّه عزّ وجلّ ومنه الحديث الصحيح « كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد » « 1 » والهباء واحده هباءة ، والجمع أهباء . قال النضر بن شميل : الهباء التراب الذي تطيره الريح ، كأنه دخان . وقال الزجاج : هو ما يدخل من الكوة مع ضوء الشمس شبه الغبار . وكذا قال الخليل ، والأزهري . وقال ابن عرفة : الهباء ، والهبوة التراب الدقيق . وقيل هو ما يسطع من حوافر الدواب ، عند السير من الغبار ، وعن علي قال : الهباء شعاع الشمس ، الذي يخرج من الكوة ، وعنه الهباء وهج الغبار ، يسطع ، ثم يذهب ، فلا يبقى منه شيء . وعن ابن عباس قال : الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر ، فإذا وقع لم يكن شيئا ، وعنه قال : هو ما تسفي الريح ، وتبثه من التراب وحطام الشجر . وعنه هو الماء المهراق . والمعنى الأول هو الذي ثبت في لغة العرب ، ونقله العارفون بها ، والمنثور المفرق ، والمعنى أن اللّه سبحانه أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور ، لم يكتف سبحانه بتشبيه عملهم بالهباء حتى وصفه بأنه متفرق متبدد ، وبالجملة هو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع . إذ لا ثواب فيه ، لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا . ثم ميز سبحانه حال الأبرار من حال الفجار فقال : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا أي أفضل منزلا في الجنة ، من الكافرين في الدنيا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا أي موضع قائلة فيها ، أو هم خير منهم في الآخرة لو فرض أن يكون لهم ذلك ، أو أفعل لمجرد الوصف من غير مفاضلة . عن ابن عباس قال : في الغرف من الجنة . قال النحاس : والكوفيون يجيزون
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 20 ، والبيوع باب 60 ، والصلح باب 5 ، ومسلم في الأقضية حديث 17 ، 18 ، وأبو داود في السنة باب 5 ، وابن ماجة في المقدمة باب 2 ، وأحمد في المسند 6 / 146 .